قوانين الأسرة في مصر بين التمييز العنصري ورأب الصدع الأسري

تحميل المقال بصيغة PDF بترويسة المكتب

قال تعالى: «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة» صدق الله العظيم

قيمة الأسرة كنواة للمجتمعات وحث الديانات والشرائع السماوية على تعظيم هذه القيمة والحفاظ على ثباتها وتوازن العلاقات بين أفراد الأسرة.

إلا أن الأمر لا يخلو من المنغصات في الحياة الأسرية التي قد تتعاظم في بعض الأحيان إلى حد الشقاق واستحكام النفور المؤدي حتمًا إلى الفرقة أو الطلاق.

وقد ينجم عن هذه العلاقات ذرية تنشأ في ظل أوضاع غير طبيعية عقب انفصال الزوجين، وما قد يترتب على هذا الانفصال من منازعات قضائية.

وهنا يأتي دور الدولة والقانون في تنظيم هذه العلائق مجتمعة تنظيمًا مُحكمًا، سواء تلك السابقة على عقد القران أو بعده أو بعد الانفصال، لتقوم قوانين الدولة بدور الوسيط المحايد في هذه المنازعات فتحفظ حقوق الأطراف جميعًا (الزوج، الزوجة، الأبناء).

ولما كانت هذه العلائق قائمة على أساس تشريع ديني امتثالاً لأوامر رب العالمين فمن ثم وجب أن تتسق التشريعات المنظمة مع تلك القواعد الدينية لاسيما في ظل دستور مصدره الرئيسي الشريعة الإسلامية، دون أن يجور القانون على قاعدة شرعية أو يتجاوزها، ودون إخلال بحقوق المشرع في التنظيم الملتزم بالحدود الشرعية.

موقف القانون المصري من كلٍّ من الزوجين والأبناء.

يستند تنظيم الأسرة في مصر إلى مرجعية دستورية واضحة؛ فالمادة الثانية من الدستور تجعل مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، والمادة العاشرة تجعل الأسرة أساس المجتمع وقوامها الدين والأخلاق والوطنية وتُلزم الدولة بالحفاظ على تماسكها واستقرارها. أما التنظيم التشريعي نفسه فلم يصدر في قانون واحد، بل تراكم عبر أكثر من مئة عام في نصوص متفرقة، ويُرجع فيما لا نص فيه إلى أرجح الأقوال من مذهب الإمام أبي حنيفة عملاً بالمادة ٢٨٠ من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية.

وفيما يلي أهم التشريعات السابقة والحالية والجاري إعدادها:

التشريعموضوعهحالته
القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٠النفقة وبعض مسائل الأحوال الشخصيةساري ومعدَّل
القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩الطلاق والتطليق والعدة والنسب والحضانةساري ومعدَّل
القانون رقم ٤٤ لسنة ١٩٧٩تعديلات واسعة على قانون ١٩٢٩قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستوريته عام ١٩٨٥ لعيب إجرائي
القانون رقم ١٠٠ لسنة ١٩٨٥إعادة إصدار أغلب التعديلات بصيغة سليمة: إعلان الطلاق، ضرر التعدد، المتعة، مسكن الحضانةساري
القانون رقم ١١٩ لسنة ١٩٥٢الولاية على المالساري
القانون رقم ١ لسنة ٢٠٠٠تنظيم إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية، ونظام الخلع (المادة ٢٠)ساري
القانون رقم ١٠ لسنة ٢٠٠٤إنشاء محاكم الأسرةساري
القانون رقم ١١ لسنة ٢٠٠٤إنشاء صندوق نظام تأمين الأسرةساري
القانون رقم ٤ لسنة ٢٠٠٥رفع سن الحضانة إلى ١٥ سنة وتخيير الصغير بعدهاساري
مشروع قانون الأسرة ٢٠٢٦توحيد أحكام الأسرة المسلمة موضوعاً وإجراءً في قانون واحدقيد نظر مجلس النواب ولم يصدر

وعلى هذا الأساس يعامل القانون الأطراف الثلاثة على النحو الآتي: الزوجة طرف تحميه نصوص النفقة والمسكن والتطليق، والزوج طرف بيده الطلاق ويتحمل عبء الإنفاق، والأبناء أصحاب حقٍّ مستقل في النسب والنفقة والرعاية لا يملك أحد الأبوين التفريط فيه.

حقوق الزوجة في القانون.

حقوق الزوج في القانون.

موقف القانون من الأبناء.

هل يولي القانون الزوجة أم الزوج حقوقًا أكثر؟

لا تتجه الإجابة إلى كفة واحدة؛ فالقانون يوزع الحقوق والأعباء توزيعاً قائماً على تصور شرعي مفاده أن القوامة مقابل الإنفاق. فالزوجة تتمتع بحماية مالية وإجرائية واسعة: النفقة والمتعة والمسكن، والإعفاء من رسوم دعاوى النفقة، والحبس لتنفيذها، والخلع دون موافقة الزوج. وفي المقابل يملك الزوج الطلاق بإرادته المنفردة، ويتحمل وحده عبء النفقة والمسكن ونفقة الصغار.

وفي باب الأبناء يظهر الميزان مائلاً في ظاهره لجهة الأم في الحضانة، وهو ما يشعر الآباء بالغبن، بينما تشكو الأمهات في المقابل من بطء تحصيل النفقة وتنفيذ الأحكام. فالمحصلة أن لكل طرف مظلمة يراها حقيقية، وأن الخلل في كثير من الأحوال يرجع إلى التطبيق وبطء التنفيذ أكثر مما يرجع إلى نص بعينه.

المشكلات الحقيقية التي يثيرها القانون.

هل يتّسم القانون بالتمييز أم لا؟

نقصد بالتمييز هنا المعاملة غير المتكافئة بين طرفي العلاقة الأسرية، لا التمييز بمعناه العنصري المعروف.

الأصل أن القانون لا يقصد التمييز، فالتفاوت الظاهر في بعض مراكز الزوجين مبناه التكليف الشرعي المتبادل لا المفاضلة بين الجنسين، ولا يتعارض معه الدستور الذي ساوى بين المرأة والرجل في الحقوق مع إقراره بمرجعية الشريعة. لكن الوقوف عند هذا التفسير لا يكفي، إذ يمكن رصد مواضع يشعر فيها كل طرف بعدم التكافؤ:

ومن ثم فالأدق أن يقال إن القانون الحالي لا يقوم على تمييز مقصود، لكنه يُنتج في التطبيق إحساساً بالتمييز لدى الطرفين معاً، وهو إحساس يغذي الشقاق ويبعد الأسرة عن الصلح.

هل يسهم القانون أو إجراءاته في رأب الصدع الأسري بفاعلية؟

حقق القانون رقم ١٠ لسنة ٢٠٠٤ إنجازاً مهماً بتوحيد جهة الاختصاص في محاكم الأسرة، وأوجب ابتداءً اللجوء إلى مكاتب تسوية المنازعات الأسرية التي تُعنى بمحاولة الصلح خلال مدة قصيرة بمعاونة أخصائيين اجتماعيين ونفسيين وقانونيين، وأعفى دعاوى النفقة وما في حكمها من الرسوم، كما أتاح القانون ١ لسنة ٢٠٠٠ إجراءات أيسر لدعاوى الأحوال الشخصية.

غير أن هذه المنظومة لم تبلغ غايتها بالقدر الكافي، فالواقع العملي يشهد تعدد الدعاوى بين الأطراف أمام جهات مختلفة، وبطء الفصل فيها، وتعثر تنفيذ أحكام النفقة والرؤية، وقد سبق أن نادى رئيس محكمة استئناف القاهرة بضم القانونين ١ لسنة ٢٠٠٠ و١٠ لسنة ٢٠٠٤ في قانون واحد، وبإنشاء جهاز تنفيذ مختص بمحاكم الأحوال الشخصية. فالقانون يضع الإطار، لكن نجاحه رهن سرعة الفصل وفاعلية التنفيذ.

نسب واحصائيات حالات الطلاق وأخرى متعلقة بمصر.

بحسب النشرة السنوية لإحصاءات الزواج والطلاق الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في ٢٠٢٥/١١/٣٠ عن عام ٢٠٢٤:

المؤشر٢٠٢٣٢٠٢٤
إجمالي حالات الطلاق٢٦٥٬٦٠٦٢٧٣٬٨٩٢ (بزيادة ٣٫١٪)
حالات الطلاق في الحضر١٥٠٬٤٨٨١٥٨٬٢٠١ (٥٧٫٨٪ من الإجمالي)
حالات الطلاق في الريف١١٥٬١١٨١١٥٬٦٩١ (٤٢٫٢٪ من الإجمالي)
معدل الطلاق الخام (في الألف من السكان)٢٫٥٢٫٦ (٣٫٥ في الحضر و١٫٩ في الريف)

ويلاحظ أن بعض ما يتداول إعلامياً عن «حالة طلاق كل دقيقتين» لا يعكس النسبة الحقيقية للطلاق بالقياس إلى الزواج، وقد نبّه المجلس القومي للمرأة إلى عدم دقة كثير من الأرقام المتداولة، مشيراً إلى أن معدل الطلاق في مصر ظل ضمن أقل المعدلات عالمياً وعربياً بالقياس إلى عدد عقود الزواج.

الآثار المترتبة على إنفاذ أحكام هذا القانون.

هل عالج المشرع هذه الأزمة والقضايا المترتبة عليها؟

حاول المشرع عبر محطات متعاقبة: ١٩٢٠ و١٩٢٩ ثم ١٩٨٥ ثم ٢٠٠٠ و٢٠٠٤ و٢٠٠٥، وكل محطة سدّت ثغرة ومنحت حقاً، لكن النتيجة ظلت منظومة متفرقة لم تُعالج جذور المشكلة.

والآن تعرض الحكومة مشروعاً جامعاً: فقد وافق مجلس الوزراء في ٢٠٢٦/٤/٢٩ على مشروع قانون الأسرة، وأُحيل إلى مجلس النواب في مايو ٢٠٢٦، وهو يضم نحو ٣٥٥ مادة موضوعية إلى جانب مواد الإصدار، ويُنتظر أن يبدأ نظره في دور الانعقاد الجديد الذي يبدأ في أكتوبر ٢٠٢٦. ومن أبرز ما ورد فيه بحسب ما نُشر:

لكن المشروع لم يصدر بعد، ويظل مشروعاً قابلاً للتعديل أو الحذف أو الإضافة داخل البرلمان، فالعبرة بالنص النهائي المنشور رسمياً. وقد ثارت حوله خلافات أبرزها: موضع الأب في ترتيب الحضانة والمخاوف من ضغطه على الأم، ونظام الاستزارة، وتعدد الزوجات، وتوثيق الطلاق، وغياب استشارة الأزهر الشريف في إعداده بحسب ما أعلنه الأزهر، رغم تباين التصريحات في هذه النقطة. كما أحالت الحكومة بالتوازي مشروعاً لقانون الأحوال الشخصية للمصريين المسيحيين.

رؤيتنا ورسالتنا للمشرع للحفاظ على تماسك الأسرة.

إن الغاية التي ينبغي أن يصدر عنها المشرع هي رأب الصدع لا توسيعه، وتحقيق مصلحة الطفل الفضلى قبل مصلحة أي من والديه. ونوجز رؤيتنا في ما يأتي:

  1. حوار مجتمعي موسع قبل إقرار المشروع، يضم رجال الشريعة والقانون والقضاء والمتخصصين في علم الاجتماع والنفس، مع أخذ رأي الأزهر الشريف بصفة رسمية، حتى تتسق المواد مع الحدود الشرعية.
  2. قانون واحد متكامل يجمع الموضوع والإجراء ويقلل تفرق الأحكام، مع نصوص صريحة تقلل الاحتكام لمذهب فقهي في المسائل التي لم ينص عليها.
  3. الوقاية قبل العلاج: برامج تأهيل إلزامية للمقبلين على الزواج قبل توثيق العقد، فنسبة الطلاق الأكبر تقع في السنوات الأولى.
  4. الصلح الجاد لا الشكلي: تقوية مكاتب تسوية المنازعات الأسرية بكوادر مؤهلة وبفترة كافية للصلح، وجعل ما يتم فيها منتجاً لآثاره.
  5. تنفيذ ناجز للأحكام: جهاز تنفيذ متخصص لأحكام الأسرة، وصرف النفقة المحكوم بها عبر الصندوق دون انتظار طول إجراءات التنفيذ، مع إجراءات رادعة لمن يمتنع عن تنفيذ حكم الرؤية أو يعطله، سواء كان الأب أو الأم.
  6. توازن فعلي بين الأبوين في تربية الصغير: توسيع حق الأب في الرؤية والمشاركة في القرارات الكبرى للصغير، في مقابل التزامه الصارم بالنفقة، ودون المساس بحق الأم الحاضنة في الاستقرار.
  7. توثيق الطلاق وضمان علم الزوجة به لقطع التعليق، مع بقاء الحق في إثباته قضاءً.
  8. السرعة في الفصل: آجال محددة لنظر قضايا الأسرة، وقضاة متخصصون، مع إتاحة التقاضي عن بعد وفق ضمانات.
  9. شفافية البيانات: نشر دوري لأسباب الطلاق والأعمار ومدد الزواج، حتى تُبنى التشريعات على الحقيقة لا على الأرقام المتداولة.

إن الأسرة نواة المجتمع، وصلاحها من صلاح تشريعها وقدرته على الجمع بين العدل بين أطرافها والرحمة بصغارها، وهو ما نرجو أن يصل إليه المشرع في صيغته النهائية.

المصادر

أ. أمنية هاني حسين

نزاع أسري أو مسألة تخص الأحوال الشخصية؟

نساعدكم في دعاوى النفقة والحضانة والرؤية والخلع والطلاق وتنفيذ الأحكام، ونسعى أولاً إلى التسوية الودية بما يحفظ تماسك الأسرة ومصلحة الأبناء.

تواصل معنا الآن

هذا المقال معلومة عامة لأغراض التوعية القانونية، ولا يُغني عن استشارة قانونية لحالتك الخاصة، ولا يتضمن وعداً بأي نتيجة.